Hyde Park Writer since:
10 December 2009


كاتب ومفكر وقانوني عربي من مصر عمل قاضيا ورئيسا لمحكمة استئناف القاهرة ورئيسا لمحكمة الجنايات ورئيسا لمحكمة امن الدولة ... نشر اكثر من ثلاثين كتابا بالعربية والانجليزية والفرنسية منها الاسلام السياسى – اصول الشريعة – الخلافة الاسلامية – ديوان الاخلاق – العقل فى الاسلام – الاصول المصرية لليهودية واهم كتاب له بالانجليزية طبع عدة مرات ويباع في الاسواق والمكتبات الامريكية كما تجده على موقع امازون للكتب وعنوانه

Against Islamic extremism

هذا فضلا عن عشرات المقالات التى نشرت في اشهر الصحف والمجلات العربية ومواقع الانترنيت

صراع الامم .. دراسة في حلقات ج5

خلال حصار جيوش الترك العثمانيين ، وهم من المغول التتار ، لمدينة فيينا التى كانت قد صارت عاصمة للإمبراطورية الرومانية الغربية المقدسة منذ عام 1438، انقسم الناس فى فيينا وخارجها ، وفى أوروبا عموما ، الى فريقين . أولهما يتخذ موقفا سلبيا ، متأثرا فى ذلك بالفكر الدينى الخاطىء الذى يرى أن الأحداث قدر مقدور من قديم الأزل ، وانه لا سبيل لدفع الغزو أو فك الحصار إلا أن يشاء الله ذلك وتجرى المقادير بما يشاء . وكانوا الى هذا يعجبون من السبب أو الأسباب التى أوجبت غضب الله عليهم ، وتركتهم فريسة سهلة للأتراك العثمانيين ، الذين كان ثمة من يروّج ، حتى من بينهم ، أنهم غضب الله على الناس ، يقتلون دون رحمة ، ويبيدون بغير شفقة ، فلا يبقون على شىء ، ولا يذرون على نفع . وبينما كان الأوربيون المتبعون لهذا الفكر يحاربون الغزو بالصلاة ، ويصدون الحرب بالدعاء ، ويرجون رفع الحصار بالنذور ؛ ويتصورون أن النصر سوف يأتيهم عند التطبيق الحرفي للشريعة (المسيحية) ؛ بينما كان أغلب الأوربيين يعتنقون ذلك الفهم ويتبعون هذه الأساليب ، فإن عددا آخر لجأ الى نهج مغاير ، يتخذ موقفا إيجابيا ، ويرى أن إرادة الله لا تتحقق إلا من خلال إرادة الإنسان وأن المقادير تحدث بفعل يسهم فيه البشر ، ولا تتغير إلا بتغير إراداتهم الى أسلوب صحيح  يضمن حدوث التغيير فعلا لا قولا ، وإحداثا لا دعاء ، وإيجابا وليس سلبا ، وإجراء وليس أمانى .

هذا النهج فى فهم الفكر الدينى فهما صحيحا ، هو ما ورد فى القرآن نصّا ، ولعل الغربيين الذين انتهوا إليه كانوا قد استفادوه من احتكاكهم بالمسلمين خلال الحروب الصليبية ، وإطلاعهم على الفكر الاسلامى ، ففهموا منه ما لم يفهمه أغلب المسلمين ، وسعوا بفهمهم الى  إنشاء مناهج كاملة ووسائل فعالة فى الفكر والفهم والعمل والتصرف .

ففي القرآن (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) سورة  الرعد 11:13 ، وفيه (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ) سورة التوبة 9:14 . ومفاد هاتين الآيتين فى الفهم السليم غير العقيم ، أن تغيير الواقع وتبديل الأحداث يبدأ من ذات الشخص ومن نفس الشعب ، حين تتغير الى المنهج العملي الصحيح ، الذى يعرف كيف يتداخل فى الواقع وكيف يؤثر على الأحداث ، فيشرع فى التغيير السديد ، ويعمل على التبديل السليم من بعد ذلك ، إلى المقادير التى يشكلها الناس وتجرى وفقا للسنن الكونية  والقوانين الإلهية والنواميس الطبيعية .
غلب الاتجاه الثانى ، فقاوم أهل فيينا حصار الترك العثمانيين بشدة ، ولأنها عاصمة الإمبراطورية الرومانية الغربية المقدسة ، فقد خف لمعاونتها جون الثالث ملك بولندا ، فتم فك الحصار الثانى عام 1683 ، وشجع ذلك الغربيين فهاجموا الجيش التركى العثمانى بما أدى الى اندحاره فى موقعة كارلو وتزو عام 1699، بعد 16 عاما من فك حصار فيينا أمام قوات شارل الخامس أمير اللورين ولويس دوق بادن وبوجين أمير سافوى .

بهذه الهزيمة بدأ أفول السلطنة العثمانية ، إذ اضطرت إلى عقد معاهدة كارلو وتزو فور هزيمتها ، وفيها تنازلت عن بلاد المجر وممتلكات أخرى ، ودخلت بعد ذلك فى حروب مع الروسيا ، فمنيت بهزائم كثيرة وضاعت منها طرابلس فى حرب الإيطاليين عامى 1911-1912، وأعلنت صربيا وبلغاريا ورومانيا استقلالها ، وكونت مع اليونان حلفا بلقانيا شن على السلطنة العثمانية حربا حامية خسرت فيها معظم ما تبقى لها من أراض فى أوروبا . ثم بدأ الإنهيار الأخير فى الحرب العالمية الأولى أمام ضربات البريطانيين والثورة العربية فى الحجاز والعراق وفلسطين وسوريا . وبمقتضى معاهدة سيفر انتـُزعت منها كل أملاكها .
كان لإنهزام السلطنة العثمانية ، واندحارها حتى أصبحت تسمى رجل أوروبا المريض أسباب كثيرة منها:
(1) قيام العسكرية العثمانية على نظام الإنكشارية ، ذلك أنه بعد أن استقرت القبائل المغولية التتارية الأولى فى آسيا الصغرى ، التى تسمى تركيا نسبة الى لغة المغول التتار ، اضطرت السلطنة الى تكوين عسكرية جديدة ،من غير المغول التتار ، فابتدعت نظام الانكشارية ؛ وهى فرق عسكرية كان لها مركز ممتاز بين فرق الجيش العثماني . وكان جنودها يؤخذون من الشبان المسيحيين الذين كان على المدن المسيحية ، فى منطقة البلقان خاصة ، بحكم خضوعها للسلطنة العثمانية ، أن ترسلهم سنويا لخدمة السلطان . وبعد أسلمة هؤلاء الشبان ، كانوا ينشّأون على الولاء للسلطان ، ويدربون تدريبا عسكريا دقيقا . وفى القرنين 17،18 ظفرت فرقة الإنكشارية بسلطات كبيرة ، فكانت تنصّب السلطان وتخلعه كما تشاء ، ثم صار الالتحاق بالإنكشارية وراثيا ، حتى قضى السلطان محمود الثانى على فرق الإنكشارية فى مذبحة جرت بالأستانة ، أو استانبول عام 1826 .

نظام الإنكشارية إذن لم يكن يعتمد على المسلمين أصلا ولا على الترك من أبناء السلطنة ، لكنه كان يتم بتجنيد شبان مسيحيين من أبناء شبه جزيرة البلقان ، وبخاصة من العنصر الصربى الذى كان أفراده يسمون صقالبة ، ومن أبناء البوسنة والهرسك الذين كانوا يسمون البوشناق ، ومن الألبان واليونان .
وكان هؤلاء الشبان يُلقنّون الولاء للسلطان وحده ، فلم يكن لهم ولاء لأمة أو لشعب أو لشريعة ، وبذلك كانوا عسكر خلصا ، بكل ما تعنيه العسكرة من قسوة وغباوة واستبداد ، وبعد عن الحضارة ونأى عن المدنية وتنكر للحياة وتنكب للقانون . فلما اشتد ساعدهم وتحكموا فى تعيين السلاطين وعزلهم ، غلبت تلك العسكرة على السلطنة . فكان لابد أن تؤدى بها إلى الإنحدار والإنهيار .

(2) قيام سلطة السلطنة الداخلية على نظام البادى شاه ، ذلك بأن الباد شاه لقب للحكام ، وخاصة الأباطرة ، ومعناه السيد الملك ، باللغة الفارسية . وقد استعمله السلاطين العثمانيون ، فأطلق من ثم على النظام الإدارى الذى كان يدير السلطنة ، وبمقتضاه كان يتم اختيار بعض النابهين من المسيحيين أبناء منطقة شبه جزيرة البلقان ويدربون على الأعمال الإدارية بدلا من التدريبات العسكرية ، وكانوا مثل العسكر يُلقنون أسلوب الولاء للسلطان وحده . وما حدث فى نظام الإنكشارية من مساوىء ونتائج هو بذاته الذى حدث لنظام البادى شاه ، هذا فى المجال  الإدارى وذاك فى المجال العسكرى .

(3) تركيز الولاء الشعبى للسلطان وحده وتلخيص التدين والشريعة فيه دون سواه . فالسلطنة العثمانية قامت من قبائل وبأسلوب قَبِلى محض ، يطيع فيه الجميع شيخ القبيلة ، الذى أصبح سلطانا للترك ، ثم صار سلطانا للمسلمين . ومن هذا المفهوم ، فإن السلطنة العثمانية لم تُقم هياكل صحيحة للحكم ولا مؤسسات قوية للإدارة ، بل قامت واستمرت على الأسلوب القَبلى الذى يتركز فيه الحكم والإدارة فى شخص رئيس القبيلة ، وفيمن يستعين بهم من أعوان . ولتكريس ولاء الرعايا له ، فقد حدث اللجوء الى الدين فى إرهاق واضح للنصوص وإعنات ظاهر للأحكام ، حيث صارت للسلطان أوصاف تقترب من الأوصاف المسيسحية التى تجعل الحاكم ظل الله ، يحكم بمقتضى الحق الإلهى المقدس (Divine Right of the Kings) ، ويتسيّد بواقع العناية الإلهية . وكما أخذت السلطنة بعض أساليب الإدارة والحكم ، والبناء والأثاث والطهى ، من بيزنطة ، فإنها نقلت عنها وظيفة المفتى العام ، الذى كانت صلاحياته الحقيقة تحليل كل ما يصدر عن السلطان (أى وضع أساس دينى له ليكون حلالا) وتوطيد سلطاته المطلقة بصيغ ظاهرة الشرعية ، ووصم من يخالفه أو يخرج عنه بالمروق من الدين والخروج عن الشريعة والكفر بالله . مثال ذلك ، مجرد مثال ، أن المفتين المتتابعين أفتوا للسلاطين بحل حبس أشقائهم فى أقفاص فسُموا من ثم أمراء الأقفاص ، زعما بأن ذلك سليم شرعا ، حتى لا يقوم أحد أشقاء السلطان بفتنة تبتغى خلعه . كما أحلوا قتل بعض الأمراء ، بدعوى أن ذلك أسلم للأمة وأبقى لوحدتها ليضمن السلطان عدم المنازعة . وعندما خشى السلطان من محمد على الكبير والى مصر صدرت من المفتى العثمانى فتوى بخروجه هو وابنه إبراهيم عن الدين لخروجهما عن طاعة السلطان ، ولى أمر المسلمين وخليفة الله ، أى نائب الله على الأرض . وعندما تغيرت الظروف السياسية تغيرت الفتوى ، وبلع المفتى فتواه الأولى . وكذلك فقد صدرت فتوى من مفتى الآستانة بكفر أحمد عرابى بدعوى خروجه عن طاعة السلطان ، وأثرت الفتوى على المسلمين البسطاء ، فلما عاد عرابي من منفاه بصق أحد المصريين على وجهه وهو يجلس فى مقهى بحى السيدة زينب ، لأنه كافر ، خرج على سلطان المسلمين !!!

هذا الفهم الخاطىء للدين والشريعة لم يُلزم الحاكم المسلم بالعدل والحق والاستقامة حتى تنبغى له الطاعة ويلزم له الولاء ، مع أن المعتزلة وهى فرقة كلامية إسلامية ظهرت فى أخريات القرن الأول الهجري ، قالت بأن الله يُلزم نفسه العدل . وفى القرآن الكريم (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) سورة النساء4-58 . وفى التراث الذي يُنسب الى النبي أن لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق . فكيف مع ذلك يدين المسلمون بالطاعة الكاملة والولاء المطلق  لسلطان يدّعى الإسلام ظاهرا ، وهو يتنكب بفعله وقوله كل أسس الإسلام ، من حق وعدل واستقامة ورحمة ؟ وهل يمكن أن تقوم دولة على الظلم أو أن تدوم بغير عدل ؟ وهل يصح وجود الدين أو قيام الشرع ، إذا ما تلخّص هذا وذاك فى شخص واحد هو الحاكم أو السلطان ، بغير خلق سليم ودون عمل مستقيم ؟

(4) تخلف الفنون القتالية وأسلحة الحروب:فلقد كان من أهم عوامل نجاح المغول التتار فى حروبهم باتجاه أوروبا والشرق الأوسط استخدامهم نوعية خاصة من الأحصنة ، يسمى الحصان الصغير (Bony Horse) وهو حصان صغير الحجم نسبيا وحشى الطابع ، له قدرة فائقة على التحمل والسير أو الجرى مسافات طويلة دون راحة . ومع الوقت ، والراحة والدِّعة فى البلاد المحتلة ، تراخت قوة الفرسان المغول ، وقلت أعداد الحصان الصغير . ومع ذلك فقد أبقوا على استراتيجياتهم العسكرية بغير تطوير أو تعديل ، ولم يلجأوا الى الأسلحة ذات التقنية الجديدة ، إما اعتمادا على أن نجاحهم كان قد تم بغير اللجوء الى هذه الأسلحة ، وإما على أساس تفسير دينى خاطىء يقصر القتال على رباط الخيل ، كما جاء فى الآية القرآنية (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْل) سورة الأنفال 8-6. ولما كان الغرب قد لجأ الى التقنية الجديدة فى إستعمال البارود والمدافع ، وتنظيم الجيوش وترتيب الفرق ، فقد تفوق التقدم على التخلف.

البارود مزيج يُحدث فرقعة ، يتكون من نيترات البوتاسيوم بنسبة 75٪ والكبريت بنسبة 10٪ والكربون بنسبة 15٪ ، وزيادة نسبة نيترات البوتاسيوم تسبب سرعة الإشتعال . وثمت نوع آخر من البارود يحتوى على كلورات البوتاسيوم ، بدلا من النيترات ، ويستخدم فى أعواد الثقاب (الكبريت) وفى الألعاب النارية . والراجح أنه تم اكتشاف البارود عفوا ، فى الصين خلال القرن التاسع قبل الميلاد ، وإستخدامه فى الألعاب النارية . ومن الصين عرف المغول التتار البارود ، ثم انتقل منهم الى أوروبا فطورته حتى أصبح ينسب إليها ، اذ يقول بعض العلماء الألمان إن الذى اكتشفه هو الراهب الكيميائى برتولد شوارتز . ولعل هذا الراهب هو الذى حول البارود الذى كان يستخدم فى الألعاب النارية الى البارود الذى يستعمل فى القتال والحروب ، وكان ذلك فى القرن 14 . وقد ورد فى مخطوط لروجر بيكون وصف البارود وبيان قاعدته التحليلية . وبإستخدام البارود إستخداما علميا واسعا فى الحروب ، تغيرت الموازين وتبدلت المقادير .

عُرفت المدافع الصغيرة ، وإستخدمها المحاربون فى معركة كريسى عام 1346 ، أثناء حروب المائة عام . واستخدم الترك العثمانيون مدافع الحصار أثناء استيلائهم على القسطنطينية عام 1453 ، كما استعملوا المدافع البرونز التى تقذف الحجارة . وظلت المدافع تُستخدم فى مهاجمة الحصون والقلاع ، حتى أقيمت هذه وتلك على مواقع مرتفعة فأفقدت المدافع أهميتها الهجومية ، ثم استُخدمت المدافع على نطاق واسع خلال حرب الثلاثين عاما التى كانت حربا أوروبية عامة ، وكانت ألمانيا مسرحها الرئيسى ، وكان الاستعمال خاصة بواسطة السويدين ، الذين كانوا قد أجروا تحسينا فى مبدأ تطبيق الحركة وسرعة إطلاق النار ؛ وبهذه التقنية الجديدة لم يعد إحراز النجاح والتفوق يوجه الى حيازة المدافع واستعمالها ، لكنه يعود بالدرجة الأولى إلى نوعية المدافع ، وقدرتها على الحركة ، وسرعتها فى إطلاق النار ، ومدى هذا الإطلاق .

كانت السلطنة العثمانية إذن ، دولة قبلية من إفرازات العصور الوسطى ، ولما طلع عليها العصر الجديد كانت قد صارت حفرية (Fossil) ، متحجرة فى مواضيها الجامدة ، متكلسة فى تقاليدها البالية ، فكانت هيكلا بلا روح ، ليس فيه نظام الدولة ، ولا مؤسسات الإدارة ، ولا مراسم الحكم ، ولا قواعد الإقتصاد ، ولا طبقة من المثقفين (Intelligentsia) ، ولا جيشا عصريا قويا ، ولا علْما متقدما تقنيا ، ولا فكرا دينيا صحيحا .

إزاء ذلك ، بدأت الجولة الجديدة من صراع الأمم بين غرب متقدم وشرق متخلف . ففى مطلع القرن الثامن عشر سـاد انجلترا وبروسيا  (ألمانيا فيما بعد) خوف من نتائج التوسع الروسى وهزائم الأتراك العثمانيين . فقد تخوفت بريطانيا من أن يكون توسع الروسيا تهديدا لمصالحها الكبيرة بالهند ، خاصة أن الروسيا ، مع ضعف الدولة  العثمانية ، بدأت ترسم خطة للإستيلاء على مضايق البسفور ومدينة الأستانة (القسطنطينية) ؛ كما شرعت إمبراطورية النمسا ، وعاصمتها فيينا ، فى بسط نفوذها على الأراضى البلقانية . ومع تتابع الحروب بين الروسيا والسلطنة العثمانية إكتسبت الروسيا بقتضى صلح بوخارست عام 1812 بعض المكاسب فى البحر الأسود . وبمقتضى صلح أدرنة اعترفت السلطنة العثمانية بإستقلال اليونان . وطالب قيصر روسيا بحق حماية الرعايا المسيحيين فى السلطنة العثمانية ، فتحالفت انجلترا وفرنسا لمد يد العون إلى هذه السلطنة التى أصبحت تعد رجل أوروبا المريض ، على ما سلف ، وحتى تقتسم أملاكها . وفى عام 1878 ، وبمقتضى معاهدة سان ستيفانو أمْلت الروسيا على السلطنة العثمانية شروطا صعبة . وخلال عامى 1912-1913 نشبت الحروب البلقانية التى انتهت بتمزيق أوصال السلطنة العثمانية فى أوروبا ، ثم اكتمل الإنهيار نتيجة للحرب العالمية الأولى .

كانت السلطنة العثمانية قد مارست كثيرا من حروبها ، وخاصة عند استيلائها على القسطنطينية 1453 ، وهى مجرد قبيلة أو قبائل يرأسها سلطان ، أى إنها على الأكثر كانت جماعة أو أمة أو قبيلة تعتنق الإسلام ظاهريا ، دون أن تتكلم العربية ، أو تمارس حقائقه فعليا . ولأنها ذات أرومة مغولية تتارية ، فقد كانت عدوانية وحشية فتاكة ، عانى المسلمون فى بغداد والقاهرة ودمشق من أسلافهم عنتا شديدا ورَهَقا بالغا . فقد دمر المغول بغداد حاضرة الخلافة العباسية الأولى فى عام 1258 ، ثم فى عام 1393 ، بقيادة تيمور لنك (1336-1405) ، الذى كان قد اكتسح سوريا والعراق ، وأحدث فظائع كثيرة . ورغم إدعائهم الإسلام فإن كثيرا مـن المسلمين ، ومنهم ابن تيمية (احمد تقى الدين 1263، 1328) عارضهم بشدة ، وكفّرهم ولم يقبل إسلامهم ، وفيهم صدرت أكثر فتاوى ابن تيمية المتشددة ، والتى تتخذها جماعات الإسلام السياسى سندا فى محاربة الحكام .

تنبه الترك العثمانيون الى الكراهية المستقرة فى نفوس المسلمين من المغول والتتار ، بسبب الفظائع التى إرتكبوها ، والتى كان من الممكن أن تدمر مصر وسوريا ، كما دمرت بغداد لولا أن صدهم جيش المماليك المصرية بقيادة الظاهر بيبرس فى معركة عين جالوت عام 1260، تنبه الترك العثمانيون الى ذلك فغيروا إسمهم ، وانتسبوا الى أشهر أسلافهم عثمان إبن أرطغول إبن سليمان شاه ( 1281-1325 ) وسموا أنفسهم عثمانيين ، كما انتسبوا الى اللغة التى يتكلمونها ، وهى اللغة التركية التى لم تزل سائدة فى أغلب جمهوريات وسط آسيا التتارية ، فأطلقوا على أنفسهم وصف الاتراك.

وأتت الخديعة أُكلها ، وأثمرت الحيلة ثمرها ، فانطلى الأمر على الشوام والمصريين وصدقوا أن الغازى لهم سلطنة عثمانية وشعب تركى مسلم ، وليس بحسب الأصل قبائل مغوليية تتارية ، هى تلك التى حاربوها من قبل ، واستماتوا فى قتالها ، وصدرت عنهم الفتاوى تلو الفتاوى بالتكفير والمحاربة . ولما تخالط الترك مع أبناء البلقان من يونان ، وألبان ، وبلغار ، وصرب ، سواء بالزواج أو بالمخالة (أى اتخاذ الخليلة أو الإماء ، بما ملكت الأيمان) ظهرت أجيال لها ملامح أهل البلقان التى تبعد عن شكل المغول التتار ، فتخفّى العرق المغولى تماما تحت الملامح الجديدة ، وتوارى السمت التتارى كلية وراء المظهر المستحدث ، ونسى الناس الحقيقة ، بل إن المسلمين فى الشام ومصر سموا الغزو المغولى الثانى ، بقبائل الترك العثمانيين فتحا ، ولم يفزعوا أو يثوروا لخطف السلطان سليم الأول العثمانى للخلافة الإسلامية من الخليفة العباسى الذى كان مقيما فى القاهرة ، بعد إقامة الظاهر بيبرس للخلافة العباسية الثانية .
ومع أن غزو الترك العثمانيين للشام ومصر حدث عامى 1516،1517 فان المصريين والشوام ، بل وباقى المسلمين تبنوا كل أعمال هؤلاء الترك قبل ذلك الغزو ، وأسقطوها على الإسلام وتاريخه ، ونسبوها لأنفسهم ، ومع ما كان فيها من مظالم ومآسى ، ذاقوا هم من كؤوسها الكثير ، وشربوا من مرارها حتى غُصت حلوقهم وضاعت آدميتهم .

ولأن الإدارة فى السلطنة العثمانية كانت إدارة فاشلة تخرب ولا تعمر ، تمص دماء الشعوب ولا تبقى لديها إلا الفتات ، فقد أفقرت البلاد التى إحتلتها فى الشرق الأوسط ، مصر والشام والعراق وغيرها من كل العناصر البشرية وكل العوامل الإنتاجية ، ولم يكن لها من هم إلا جمع المال بكل وسيلة غير مشروعة  وغير إنسانية . هذا فى الوقت الذى كانت فيه البلاد الأوروبية تعمل بجد ودأب ، وفى صعود وتفوق ، لترتقى سلم الحضارة وتتسيد  على باقى الأمم .

فإثر غزو القسطنطينية عام 1453، وضمها نهائيا الى السلطنة العثمانية بإسم استانبول أو إسلام بول ، نزح العلماء والفلاسفة والفنانون والعمال الى إيطاليا ، وشرعوا فى إقامة دعائم النهضة Renaissance  ، ربما كرد فعل للغزو التركى ، الذى قدروا أنه نجح بالتفوق التقنى وأنه لا يقاوم إلا بالتفوق التقنى كذلك . وفى إيطاليا ، بدأ عصر النهضة ، أو الإستنارة Enlightenment  ، فحدث تقدم فى كل العلوم والفنون ، وفى أنظمة الدول وأساليب الحروب ، بتطوير علمى لبناء الأساطيل واستخدام البارود وتعديل الأسلحة وتعميم الطباعة وتخطيط العمل وترشيد الجهود ، كل ذلك والسلطنة العثمانية تغرق فى المظالم والاستبداد والفتن والقلاقل ، وقد حجبت نفسها ، كما حجبت البلاد التابعة لها ، عن أى علم أو فن أو إدارة أو إنتاج أو ثقافة أو تقدم ، فظل البون يتسع ويتسع بين الغرب والشرق ، حتى صارت الهوة سحيقة جدا .

ونتيجة لما فعله الترك فى الشعوب التى استعبدوها بالغزو ، مسلمة ومسيحية ، ولأن الناس فى أوروبا لم يعرفوا غير الترك مسلمين ، ولأن أفعال هؤلاء أُسقطت على المسلمين وأُدخلت على الإسلام وأُدمجت فى تاريخه ، فإن شعوب أوروبا الشرقية ووسطها وغربها كانوا يُسمون المسلمين تركا ، ولعل بعضهم ما زال يفعل ذلك ، لكن كل الكتب والمؤلفات ، حتى وقت قريب فى العصر الحديث كانت تسمى المسلمين بالأتراك .

فى حال الضعف الشديد الذى كانت السلطنة العثمانية فيه ، والوهن البالغ الذى رسفت فى وهاده ، تراءى لها أن تستقطب يهود العالم إليها وتجذبهم للسكنى فيها . وكان هؤلاء اليهود إثر الشتات الذى حدث عام 70م ، وهدم الهيكل بواسطة الرومان ، قد تشتتوا فى كثير من البلاد الأوروبية ؛ ولأنهم كانوا ممنوعين من تملك الأراضى فقد اتجهوا الى الأعمال المالية . وساعدت النهضة وظهور الطبقة البورجوازية فى مدن بعيدة عن الإقطاعات ، على تقوية  الأعمال المالية وإنتشارها عبر بلاد متعددة . وبهذه الدعوة العثمانية لليهود ، وبسحقها الشعوب المحتلة منها ، وبإستفزازها المستمر للغرب ، وبضعفها الذى أدى الى تملكها فطمّع دول الغرب فى إقتسام أملاكها ، بكل ذلك ، بدأت الجولة الأخيرة فى صراع الأمم ، جولة الأمس واليوم والغد !!

من المحرر:

لقراءة الحلقة الرابعة انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=17049&a=1

لقراءة الحلقة الثالثة انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=17000&a=1

لقراءة الحلقة الثانية انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=16910&a=1

لقراءة الحلقة الاولى انقر هنا
http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=16815&a=1



(266144) 1
التاريخ الذي تكتبة صحيح بخصوص العثمانيين ولكن التشكيك باسلامهم خطأ
وادي عرعر
20% من اوربا الان مسلمين ويعود الفضل للعثمانيين .لو لم يكنوا مسلمين بشكل حقيقي لماذا اذن كانت لهم نوايا في اسلمة اوربا ..الدولة العثمانية مثلمها مثل اي دولة تعتمد الاسلام شريعتها , لها محاسنها ومساوئها .. الدولة الصفوية التي تاسست في ايران والتي يشتمها الاعلام العربي ايضا كان لها شرف الحفاظ على اسلمة الجزيرة العربية والخليج .حيث كان الاستعمار البرتغالي ينوي تنصير المنطقة .ويقال ان الصفويين كانوا قد دمروا ستة كنائس بناها الاستعمار البرتغالي في الخليج ونجد والحجاز (السعودية))
July 30, 2010 12:32 AM


(266301) 2
مسلمون بالوراثة وليس عقيدة .. الى السيد المحترم أو منطقة وادى عرعر ..1
عادل جارحى
فقط للتوضيح , عن معرفة شخصية , مسلموا أوروبا هم أسما فقط بالموروث , أى لا يمارسون الفرائض مثل الصلاة والصوم والزكاة ولا حتى يعرفون قراءة الفاتحة وهذا ما نقلوه عن العثمانيون إلا القليل جدا منهم بدعم من مساعدات خارجية .. لا أتحدث هنا عن المهاجرون .. أما إذا تحدثنا عن العثمانيين فهم السبب الرئيسى فى خراب وبلاء وتخلف منطقة الشرق الأوسط وكل المناطق التى حلوا بها كما وصفتهم الدراسة القيمة للسيد المستشار
July 31, 2010 8:33 AM


(266358) 3
الى الاخ عادل الجارحي . انت اذا حسبتها هكذا فان ثلثي العربي ليسوا مسلمين اذن
وادي عرعر
لو حسبنا كم من العرب يمارسون الفرائض او اركان الاسلام فانك لن تجد الكثير منهم .. المسلم هو من يقول لا اله الا الله محمد رسول الله
August 1, 2010 12:36 AM


(266360) 4
هذه وجهة نظر وليست حقيقة تاريخية
محمد مصطفى
الأخ وادي عرعر
ذكرت في تعليقك "لو لم يكنوا (العثمانيون) مسلمين بشكل حقيقي لماذا اذن كانت لهم نوايا في اسلمة اورباز"
الحقيقة أن العثمانيون كانت لهم نوايا في ضم أجزاء كبيرة من أوروبا لدولتهم ولكن لم تكن لهم نوايا في أسلمة شعوب هذه المناطق لرغبة العثمانيون في إستمرار سكان هذه المناطق بدفع الجزية. معظم المناطق الأوروبية التي خضعت للحكم العثماني بقي سكانها على ديانتهم المسيحية. قارن بين العثمانيون والعرب. معظم المناطق التي فتحها العرب الأوائل إعتنق سكانها الإسلام. حتى الأندلس إعتنق الكثير من أبنائها الإسلام ولكن عمليات التنصير الدموية التي أتت إثر هزائم العرب والبربر المتتالية هناك أدت إلى إرتداد أو هجرة الكثير منهم لحماية أرواحهم. لم تكن هناك عمليات تنصير في البلقان وبقي سكانها على حالهم التى كانو عليها عندما ضمهم العثمانيون لدولتهم إلى أن حصلو على إستقلالهم: مسيحيون أرثودوكس. الكتب التي تؤرخ للحكم العثماني في البلاد العربية والبلاد الأوروبية متوفرة في المكتبات وتسرد بالوقائع والتواريخ مأسي الحكم العثماني وتجاوزاته. أقل الشعوب تقدماً في أوروبا هي شعوب البلقان التي عانت من الحكم العثماني لقرون، ناهيك عن الشعوب العربية التي بقيت هي أيضا تحت ستار الحكم العثماني معزولة عن العالم الخارجي. إشارتك إلى الإستعمار البرتغالي غير صحيحة فلم يصل البرتغاليون ولا حتى الصفويون إلى نجد والحجاز حتى يقومو ببناء الكنائس وتنصير المنطقة 
August 1, 2010 1:11 AM

تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز