Hyde Park Writer since:
27 May 2009

كلمتا السر الضائع فيما بين السلطة والشعب من وقائع

·       كم يلزمنا من الوقت للحاق بالغرب ؟

·       وهل إمكاناتنا المتواضعة تمكننا من مطاردته طويلا؟

·       وهل اللحاق به ممكنا أصلا ؟

كلمتا السر الضائع بين السلط في الدول المتخلفة والشعوب ، كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان : المصارحة والثقة . فمن المستحيل أن تبنى أي علاقة طيبة داخل أي دولة ،بين السلطة والشعب، في غياب معرفة الشعب للحقيقة وسريان الثقة بين ركائز السلطة والشعب .فالمسألة انطلقت بسيطة في أول الأمر ،داخل القبيلة حيث كان شيوخ القبيلة يشكلون و يترأسون مجلس القبيلة ،الذي كان عليه حل الخلافات، وتنظيم الحياة القبلية ، واتخاذ القرارات في السلم والحرب ،وفي ترتيب العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. وبحلول السلطة الوطنية محل السلطة القبلية ،باتت الدولة  هي الوصية على شؤون جميع القبائل تسييرا وتدبيرا. ولما أصبحت السلطة الوطنية(الدولة) هي من يحتكر حقول التعليم والاقتصاد و من يشرف على سوق العمل ويسيطرعلى أسوق التجارة واستغلال الثروات ، و من يسهر على انتخاب النخب ، وتعين المسؤولين على شؤون العامة ، تكونت جبهات معارضة ، من غير الراضين على أداء السلطة و من الذين لم يستفيدوا من خدمات السلطة الوطنية " العطالة" . فانطفأت شموع الثقة والحقيقة بين السلطة الوطنية من جهة ، وبين الجهات المعارضة من جهة أخرى. وأصبح كل جناح- جناح السلطة وجناح المعارضة – كل يعمل لحسابه الخاص ، مستفيدا من جميع الإمكانات المتاحة لسد الذرائع والطرق أمام الفريق الآخر. والسؤال الذي من المكن أن يطرحه كل مسؤول في السلطة على نفسه  قد يكون ، ماذا يريد الشعب بالضبط ؟؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال ستمكن رجل السلطة من فك الحصار عليه  والذي تضربه  المعارضة على السلطة – أي حكومة- بمؤازرة من طرف الشعب، لخربشة صورتها أمام الرأي العام الدولي .

 

فكل مواطن يحلم بنجاح تعلمي، وبالتالي الحصول على منصب شغل بأجرة محترمة، ثم الفوز ببيت أسرة والتمتع بالحياة. لكن هل تستطيع أي سلطة تحقيق هذه الأمور لكل مواطنيها؟ فأمام الانفجار السكاني ، وضعف الإمكانات وانعدام البنيات التحتية ، والضعف الاقتصادي ، وقلة الاستثمارات الداخلية والخارجية  ، ومافيات تهريب المال العام، والسرقات وغيرها من الأمراض المهنية والاجتماعية، تعجز الدولة عن مسايرة طموحات شعبها ، فتميل مكرهة  إلى جناح النخب وإلى جناح المستفيدين من فرص العمل كقوة تعتمد عليهم في تمرير مخططاتها ، وتنأى عن جناح العاطلين ،ومن عجزوا عن العمل . وبما أن الشعب " أي شعب" لا يعيش في عزلة عن الشعوب الأخرى- أمام هذا الكم الهائل من الفضائيات- فإن محاولات محاكاة الشعوب المتخلفة للشعوب المتقدمة عملية دائمة  خصوصا في الموضة والثقافة والفن والاستهلاك ، وهو الأمر الذي يضع- السلطة الوطنية- في وضعيات صعبة ، في مواجهة مباشرة مع الشعب الذي يطالبها بالوفاء بالتزاماتها الأخلاقية نحوه، عوض  ممارسة كل أشكال العنف والحرمان عليه. وما أصوات الجمعيات الحقوقية المحلية أو الدولية إلا دليل عن الخروقات التي يتعرض لها مواطنون كل حين ، لشيء واحد أنهم طالبوا بالعيش الكريم أسوة بباقي المواطنين والشعوب الأخرى.

 

فالشعب "طاحونة طبيعية" لا يتوقف عن طرح مطالبه في التنمية والصحة والتعليم،والعمل والسكن والعيش الكريم ، وبالحريات الجماعية والفردية . وهي أمور تخلق تحديات لأي سلطة وطنية ستكون مطالبة برفع تلك التحديات وإلاسيحكم عليها بالفشل الذر يع في تسيير وتدبير شؤون الناس.والسؤال ماذا  على  السلطة فعله كي ترفع تلك التحديات ولكي تثبت للشعب بأنها لها الكفاءة في الحكم ؟؟

فما من سلطة تخضع لضغوطات شعبية انسيابية  أو بتأطير من معارضين إلا وتلجأ إلى الاستعانة بخدمات " الخارج" ، وذلك إما بعرض مشاريع استثمارات جديدة ، أو بالاستدانة أو المطالبة بإعانات ومساعدات ولو بشروط مسبقة . وهو ما ينتج عنه المزيد من عدم الثقة وعدم المصارحة بين الشعب والسلطة الوطنية .  فالشعب يضغط ليحصل على بعض حقوقه وعلى قسمة من ثروات بلده ، والسلطة لا تستطيع منح جميع الموطنين حقوقهم ولا القدرة على توزيع عادل للثروات . كما أن الدول المانحة  لا تستطيع منح مساعدات ولا استثمارات أو استقبال منتجات إلا بعد استجابة السلطة الوطنية على الأقل لبعض شروطها والتي هي بمثابة تدخل في الشؤون الداخلية للسلطة الوطنية ولو بطريقة مقنعة بالقانون الدولي أو بأهداف منظمة الأمم المتحدة .

 

الشعب يريد الخبز ، وقد يتظاهر من أجل ذلك ، والسلطة الوطنية التي لا تستطيع تلبية مطالبه ، ستوضع في مأزق سيدفعها لبيع بعض سيادة الشعب للدول المانحة والتي ستطالب باحترام حقوق الإنسان والحقوق الفردية ، وحق المرأة وحق الطفل ، وحرية التدين وهلم جرا ،كي تستطيع مساعدة السلطة الوطنية التي تجد نفسها بين كماشتين ، كماشة الشعب الذي يطالب وكماشة الدول المانحة التي تشترط . لكن من المستفيد من مثل هذه العمليات ؟؟؟

كل العناصر ستستفيد من هذه العملية ، مع خسارة لكل من الشعب والسلطة الوطنية. فالشعب سيستفيد باستقبال دولته مجموعة من المساعدات والاستثمارات ولكن على حساب ثقافته ، وأصوله ومبادئه - وتلك خسارته - التي ستخضع لقياس جديد ومعايير كونية ، ستزيل كل أثار العنصرية الإيديولوجية أو العقائدية ، كي تطفو  فقط مبادئ وقوانين تحمي الإنسان أينما كان وكيفما كان – هذا شعارهم على الأقل-. وحقيقة سَيَسْعَد مواطن كل دولة متخلفة لما تُفتَح أسواق الدول الغنية أمام منتجات بلاده، وسيسعد بولوج استثمارات بالملايير إلى  وطنه ، وسيسعد بسماع أسطوانة حقوق الإنسان تشنف سمعه، ولكنه سيحس بالحسرة لما يعلم بأن كل إرثه الثقافي والديني أصبح محل مساومة . لا أستطيع التعبير عن شعور إنسان مسلم يربى أبناءه كما علم ، لكنه سيصبح مهددا بمقاضاته من طرف أحد أبنائه يوما . لا أستطيع التعبير عن شعور رجل مسلم يضحى بزهرة حياته من أجل بناء مستقبل أسرته ، وسيفاجأ يوما بأن زوجته ستطلب الطلاق منه لأنه سيرفض أن يسجل  " شقة" في اسمها . لا أستطيع أن أعبر عن أحاسيس رجل سيحكم عليه بعدم الاستقرار لأن زواجه سيتحول من " المودة والرحمة" إلى " شراكة " بين زوجين ،  وسيطالب الأول  بنصيبه  الثاني كي يرحل عند أول خلاف بينهما.

 

أما ما ستستفيده السلطة الوطنية ، وهو كسبها مساحة جديدة عند الدول المانحة ، وضمانها البقاء على رأس السلطة ، ولقد أصبحنا نسمع عن التوريث. وأما ما ستستفيده  الدول المانحة فهو أبعد من ذلك بكثير ويدخل ضمن استراتيجيا طويلة الأمد تعتمد على حرب باردة سلاحها الاقتصاد.فما يهم الدول المانحة من منطقة الدول المتخلفة – العربية- هو الترويض . ترويض الإنسان كي يبتعد عن العنف ، ولكي يبتعد على العنف عليه تطليق مبادئه المبنية على أسس ثقافية وعقائدية ، وعليه ألا يبقى يشعر بأنه سلطة ضمن السلط (سلطة الأسرة)، ومن أجل ذلك جاءت مساواة الرجل بالمرأة ، وكي لا يشعر بأنه مانح ضمن المانحين (النفقة)، فجاءت شراكة المرأة أجرة الرجل  ، ومن أجل الضربة القاضية جاءت حقوق الطفل على أبيه وحقه في مقاضاة الأب في حالة سوء معاملة.

 

أ بعد هذا سيبقى الرجل صاحب المبادئ يفكر في الأسرة ومستقبل الأسرة والقيم الدينية والاجتماعية؟ فهذه الفر دانية الجديدة تدفع كل فرد في الأسرة وفي المجتمع بأن لا يفكر إلا في لحظته وفي نفسه. وهو ما تبغيه  الدول المانحة . فالفر دانية هي مدخل مهم لتحويل كل فرد إلى مستهلك ، وتحويل المجتمع ككل إلى سوق. لكن كم يلزمنا من الوقت للحاق بالغرب واستطاعة الدفاع عن أنفسنا ؟؟؟

فحسب المعطيات الحالية ليس هناك أية دولة متخلفة تستطيع  الركض خلف  الدول الغربية على المستوى العلمي ، فهي لا تستطيع حتى تحسين  معدلات تنميتها السنوية  ، نحن لن نتحدث عن البرازيل ولا عن الهند ولا عن الصين بطبيعة الحال ولكن عن دولنا العربية .فدولنا العربية للأسف الشديد وكما سبق الذكر تحولت إلى دول خدماتية ، مستقبلة ، تُحَضِّرُ للدول الغربية إمكانات الاستمرارية .  النفط والغاز ما هي إلا مواد  تساهم في نهضة الدول الغنية . فانطلاقا من النفط ، تصنع الدول الغربية المواد التي نستهلكها . وانطلاقا من فوائد أموال النفط التي ندخرها بالبنوك الغربية،  تتحكم الدول الغربية في شؤوننا الداخلية بعد كل مساعدة أو منحة .نحن في القرن الواحد والعشرين ودول منا لا تستطيع صناعة حتى دراجة هوائية ، فما بالك بالأقمار الاصطناعية والمركبات والغواصات والطائرات والأجزاء الالكترونية الدقيقة ، منا من  يستورد حتى الإبرة التي يخيط بها ملابسه .

رغم إمكاناتنا اليوم وهي أحسن بكثير من الأمس، لكننا لا نقوم بمحاولات  تطويرها ولو بشكل تشاركي أو قطري،  لأن سوء تفاهماتنا أعمق، ونرى في الغرب – كمصاحب – لتنميتنا ما لا نراه في العرب.وإن اللحاق بالغرب بهذه الطريقة أمر مستحيل مادمنا تابعين ولا نبحث لنا عن شخصية مستقلة  تعتمد على إمكاناتها لتطورها، وتعتمد على عقول وسواعد أبنائها.وإذا كانت الانتقادات توجه إلى الدول النفطية التي تعتمد على النفط كمصر وحيد، فإن الانتقادات كذلك موجهة إلى الدول الفلاحية والتي تعتمد فقط على الفلاحة والزراعة كمصر وحيد .فالخير هو في تنويع المصادر، والبحث الدائم عن الجديد وتقبل قوانين لعبة المنافسة .

   لن يتحقق  شيء من هذا ، ولن نستطيع المحافظة على استقلالنا وتوابثنا ومبادئنا دون خلق جو الثقة والمصارحة بين الشعب والسلطة . يجب أن يفهم الشعب أن علاقات  دولته بالدول الأخرى فيما يخص القانون الدولي لا تعنيه هو ، فكل مواطن هو  أمير في بيته وعلى أسرته ، يكفيه فقط الالتزام بثوابته الثقافية والدينية ( لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلادِ ) ، كما أن على الشعب تحمل المسؤوليته في الدفاع عن تلك المبادئ التي يؤمن بها دون استسلام للسلطة الوطنية، المطالبة باحترام القانون الدولي وشروط الدول المانحة ، هذا التعاون بين السلطة من جهة والشعب من جهة ثانية سيعطي الحجة للسلطة كي تدعي "بوجوب احترام خصائص كل شعب " .وهو عمل شريف يتحمل مسؤوليته كل المثقفين والفاعلين في المجتمع بشراكة مع السلطة الوطنية من أجل خلق ميثاق وطني  له استراتيجيا  تابثة تقود المجتمع والدولة إلى الرقي دون تشويه يصيب الأصالة ولا المعاصرة.

 


تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز