الأردن نموذج للتحول نحو الديمقراطية في العالم العربي

بقلم : ثامر ابو بكر

يعد الأردن نموذجا مليئا بالمشاكل.. فجواره لدولة الاحتلال الصهيوني وعلاقاته التاريخية مع أميركا وبريطانيا، وتركيبته السكانية التي تجعله متأثرا بما يحدث خارج حدوده، وضعف موارده الاقتصادية، كل هذه اشياء تجعل التحول الى الديمقراطية اذا كان صعبا في دول كثيرة من العالم العربي، فهو شديد الصعوبة في الاردن، ومع ذلك هناك تجربة ملفتة تستحق تسليط الضوء عليها.
يعتبر عام 1989 نقطة تحول مفصلية في الحياة السياسية في المملكة الأردنية الهاشمية، إذ بعد غياب دام حوالي ربع قرن، عادت الحياة النيابية الديمقراطية إلى المملكة، ففي ذلك العام صدرت الإرادة الملكية السامية بعودة الحياة النيابية وإجراء الانتخابات يوم 8 نوفمبر 1989.
أما عن أسباب ذلك التحول هناك عدة آراء: بعض المحللين يرون أن الحالة الاقتصادية الصعبة التي كانت المملكة تعيشها آنذاك هي السبب الرئيسي، حيث أن صندوق النقد الدولي IMF طالب الحكومة الأردنية بإجراء عدد كبير من الاصلاحات الاقتصادية، لعل أهمها رفع الدعم الحكومي أو تقليصه على بعض السلع الرئيسية، مثل الخبز، وهو ما أثر على الوضع المعيشي لقطاعات كبيرة من المجتمع الأردني، مما دفع الحكومة إلى إجراء «اصلاحات سياسية».
هناك تحليل آخر يرى أن السبب الرئيسي هو النصائح الغربية للأردن من أجل التحول نحو الديمقراطية والتحديث السياسي، فالعديد من الدول الغربية رهنت مساعداتها الاقتصادية للمملكة بإجراء اصلاحات سياسية واقتصادية، وبالتالي يرى أصحاب هذا الرأي أن الديمقراطية في الأردن والوطن العربي بشكل عام، هي نتاج للضغط الغربي أكثر من كونها صناعة محلية ونتاج تطور المجتمع وتلبية لحاجاته.
أما الرأي الرسمي الأردني، فيقول ان السبب الرسمي لعدم اجراء الانتخابات طوال تلك الفترة هو الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، حيث كان لها نصف مقاعد مجلس النواب وبالتالي فقد كان من المستحيل اجراء انتخابات من غير تمثيل نصف السكان، أما وبعد قرار فك الارتباط في31 يوليو 1988 فلم يعد ذلك السبب موجوداً وأصبحت الفرصة مهيأة لاجراء الانتخابات النيابية.
أميل للاعتقاد، إلى أن تلك الأسباب مجتمعة كانت سبب التحول.
جرت انتخابات عام 1989 استناداً إلى قانون الانتخابات رقم 22 لسنة 1986 ولعل نقطة التحول الرئيسية ليست اجراء انتخابات عام 1989 بحد ذاتها، بل ما نتج عن تلك الدورة النيابية من قوانين أرست أسس الحياة الديمقراطية في الأردن، ففي تلك الدورة النيابية (1993ـ 1989) صدر قانون الأحزاب السياسية، وقانون المطبوعات والنشر وصدر كذلك قانون انتخابات جديد، أجريت على أساسه انتخابات 1993 و1997و ستجري على أساسه الانتخابات القادمة 2003 مع إجراء بعض التعديلات عليه، وتم إصدار الميثاق الوطني الأردني في التاسع من يونيو 1991 وهذا الميثاق يعد سنداً وتوضيحاً للدستور الأردني، وليس بديلاً عنه.
وقد ألغى مجلس النواب الأحكام العرفية في الأردن، وقام بإصدار قانون محكمة أمن الدولة رقم 6 لسنة 1993، وألغى قانون محاربة الشيوعية، وغيرها من القوانين التي ساهم الغاؤها في إرساء أسس الحياة السياسية وبالتوازي انطلقت الحكومة في تلك المرحلة بإرساء الأسس الاقتصادية الجديدة، ممثلة بالخصخصة ووضع قوانين تشجيع الاستثمار وترسيخ أسس اقتصاد السوق، كما بدأت عجلة الحياة السياسية الحزبية تدور في المملكة، بترخيص عدد هائل من الأحزاب السياسية وصدور عدد كبير من الصحف الأسبوعية التي بدأت بطرح القضايا السياسية الساخنة وإثارة كثير من القضايا التي كانت تعتبر من المحرمات في وقت سابق.
قانون الانتخابات
يعتبر قانون الانتخابات في جميع دول العالم مؤشراً ودليلاً مهماً على مدى تطور الحياة السياسية الديمقراطية في هذا البلد أو ذاك اذ يدل على مدى امكانية تمثيل جميع قطاعات الشعب في المؤسسة التشريعية.
جرت انتخابات 1989 بناءً على قانون الانتخاب عبر القائمة، إلا أن ذلك القانون ألغي وتم استبداله بقانون (الصوت الواحد للشخص الواحد)، وعلى أساس هذا المبدأ الانتخابي الجديد جرت انتخابات عامي 1993 و1997 وستجري على أساسه انتخابات هذا العام وكان لهذا التغيير في قانون الانتخابات أثر كبير على الحياة السياسية في الأردن فأحزاب المعارضة وعلى رأسها حزب جبهة العمل الإسلامي، اعتبرت قرار الحكومة بتغيير قانون الانتخابات، إنما جاء من أجل اضعاف قوة الأحزاب وتخفيض نسبة تمثيلها في البرلمان على ضوء النتائج الجيدة التي حققها الإسلاميون في انتخابات 1989، كان هناك تخوف من قبل الحكومة من أنه في حالة استمرار اجراء الانتخابات على أساس «القائمة»، فسوف تزداد قوة ونفوذ الأحزاب السياسية والمعارضة في البرلمان، ولهذا السبب رأت الحكومة أنه من الأفضل تعديل قانون الانتخابات والتحول نحو قانون الصوت الواحد.
الحكومة من جهتها، تنفي صحة هذه الاتهامات، وتقول ان التغيير جاء من أجل تعزيز الحياة الديمقراطية، وان قانون الانتخابات السابق كان مليئاً بالثغرات، وهو لا يضمن تمثيلاً حقيقياً لقطاعات المجتمع الأردني وقواه المجتمعية، البعض يعارض هذا القانون «الصوت الواحد»، لانه عزز التعصب العشائري، وأصحاب هذا الرأي يرون أنه في ظل القانون السابق «القائمة»، كان الناخب يستطيع أن يلبي واجباته العشائرية مثلاً، ومن جهة أخرى أن يختار مرشحين آخرين بناءً على مقاييس أخرى من الحزبية أو الكفاءة وفي ظل قانون الصوت الواحد، فإن الناخب في الغالب يقوم باختيار مرشح على أساس العشائرية لأنه لا يملك إلا صوتاً واحداً.
العديد من الباحثين والمفكرين يعتقدون أن نظام الصوت الواحد للناخب الواحد، هو أفضل أشكال الممارسة الديمقراطية ويعطي نتائج أقرب ما تكون إلى حقيقة قوة تمثيل كل طرف وحجمه في المجتمع، وهذا القانون هو المتبع في أغلب الدول الديمقراطية في العالم، وهذا بالطبع لا يعني أنه النظام الأنسب في الأردن، حيث أن كل دولة تختار النظام الذي يتناسب مع الواقع السياسي والاجتماعي في مجتمعها.
وتشير دراسة أجراها مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية حول هذا الموضوع، الى ان الإخوان المسلمين حصلوا في انتخابات 1989 على 17% من أصوات الناخبين، مما يعني حصولهم على تسعة مقاعد، في حين أنهم حصلوا في الواقع على خمسة عشر مقعداً، أما في انتخابات عام 1993 التي جرت على أساس قانون الصوت الواحد، فقد حصلوا على أحد عشر مقعداً، وذلك أقرب إلى واقع حجم تمثيلهم في المجتمع، وكذلك الأمر بالنسبة للاتجاه اليساري، الذي حصل على نسبة من مجموع أصوات الناخبين، تؤهله للحصول على أربعة مقاعد، إلا أنهم حصلوا على ستة مقاعد واقعياً، وبالتالي فالقانون الجديد اكثر ديمقراطية وتمثيلا للشعب من قانون القائمة إلا أن الخلل الرئيسي يكمن في قانون الانتخابات، في توزيع المقاعد الانتخابية على الدوائر والمحافظات».
اذ لم يتم توزيع المقاعد النيابية على الدوائر الانتخابية على أساس مقياس السكان، بل كان توزيعاً عشوائياً فعلى سبيل المثال، فإن حوالي 35% من سكان المملكة هم سكان العاصمة، ومع ذلك تحصل على حوالي 20% من مقاعد مجلس النواب.
وفي الوقت ذاته فإن بعض الدوائر الأخرى لا يشكل عدد سكانها سوى حوالي 5% من السكان، لكنها تحصل على أكثر من ذلك بكثير، وهذا تجاوز للدستور الأردني.
حيث أن طريقة توزيع مقاعد مجلس النواب على المحافظات، تعطي لقسم من المواطنين قوة وتأثيرا وتمثيلا أقوى وأكبر من قسم آخر.
تعديلات إن من أهم التعديلات التي أدخلت على قانون الانتخابات مؤخرا إدخال مبدأ الكوتا النسائية إلى حيز التنفيذ، حيث ستمثل النساء بستة مقاعد في مجلس النواب القادم ويعتبر تحقيق هذا المطلب القديم للحركة النسائية الأردنية خطوة مهمة نحو تمثيل حقيقي للمرأة في مراكز صنع القرار ونحو تقليل الفوارق بين المرأة والرجل.
الآن وبعد أن تحقق مطلب المرأة في وجود كوتا نسائية، فإن المرأة الأردنية مطالبة باستغلال هذه الفرصة التاريخية لتحقيق ومراكمة أكبر قدر ممكن من الإنجازات وعلى عضوات البرلمان القادم، أن يقمن بمحاولات لتغيير وتطوير أكبر عدد ممكن من القوانين، ووضع قوانين جديدة تكفل للمرأة الأردنية حقوقها في المجتمع.
من حيث المبدأ، فإنني واحد من الذين يرفضون «الكوتا» سواء كانت كوتا للنساء أو للأقليات العرقية أو الدينية فواجب الدولة والمجتمع معاً، هو تعزيز وحدة المجتمع والحفاظ عليها ودمج جميع فئات وطبقات وأقليات المجتمع وصهرهم في بوتقة واحدة.
والدستور الأردني، شأنه شأن معظم الدساتير في العالم، ينص على أن جميع المواطنين سواسية ولا فرق بينهم، أما في النظام الانتخابي الأردني، فهناك كوتا للمسيحيين وأخرى للشركس والشيشان وكوتا للبدو ومؤخراً كوتا للنساء.
وجهة نظر الحكومة وقطاعات واسعة من المجتمع تؤكد ، أنه من الواجب الوطني صون حقوق «الأقليات»، بأن يكون تمثيلها في مجلس النواب والمؤسسات الحكومية مضموناً.
الجهات الرسمية ترى أن هذا النظام هو تجسيد لواقع مجتمعي معين موجود في الأردن، وهي وجهة نظر محقة إلى حدٍ ما إلا أن السعي نحو تحقيق الأفضل، يجب أن لا يتوقف ومن هنا أرى أنه من واجب الحكومة في أي مجتمع أن تقود عملية التقدم في المجتمع، وأن تكون مبادرِة وريادية في تطوير الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلد رغم الرؤية الرسمية السابقة.
هذا النظام رغم الرؤية الرسمية السابقة يؤدي إلى درجة معينة وفي أوقات معينة، إلى التباعد بين أفراد المجتمع الواحد ومنعهم من الاندماج، وهو بالمحصلة ليس تجسيداً لواقع اجتماعي في الأردن، فإذا أخذنا بصورة عشوائية أية مؤسسة أو شركة أو دائرة حكومية، نرى بأن جميع فئات المجتمع الأردني ممثلة في هذه الدائرة أو تلك، من دون وجود نظام كوتا يلزم ذلك.
ما أريد قوله هنا، أن المسيحيين والشركس والشيشان والمرأة، هم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي الاقتصادي السياسي في الأردن، ولا توجد فروق بينهم وبين بقية أفراد المجتمع، وبالتالي فإن مبدأ «الكوتا» لا يساعد من حيث المبدأ، في تجسيد مفهوم المواطنة، الذي هو أهم مكونات المجتمع المدني الديمقراطي.
وعلى هيئات المجتمع المدني، بجانب الحكومة، ترسيخ مفهوم المواطنة والعدالة والمساواة والتسامح وثقافة حقوق الإنسان واحترام حقوق المرأة، مما سيلغي الأسباب الموضوعية لوجود نظام الكوتا، ولهذا فإن الموضوع بشكله العام له أكثر من بُعد، وتقع مسئوليته على عاتق أكثر من جهة.
وجود كوتا نسائية يمكن أن يزيد ويعمق من انعزال وهامشية المرأة في المجتمع وليس العكس وقد نجحت المرأة في الوصول للبرلمان عام 1993، وإضافة لذلك فقد نجح عدد من النساء في الانتخابات البلدية، ونجحت إحداهن في الفوز بمنصب رئيس البلدية أي أن المجتمع الأردني وفي ظروف معينة يسمح ويتقبل وينتخب المرأة للحصول على مراكز مهمة.
الأحزاب السياسية إثر عودة الحياة النيابية عام 1989 كان من جملة القوانين التي صدرت قانون الأحزاب السياسية رقم 32 لسنة 1993، والذي سمح للمواطنين الأردنيين بتشكيل أحزاب سياسية، وهو الأمر الذي أدى إلى عودة الحياة الحزبية إلى الأردن، بعد غياب دام لحوالي ثلاثة عقود ومن المعروف أن الأحزاب السياسية هي اللبنة الرئيسية في أي نظام ديمقراطي يحترم التعددية ويكفل حقوق الأفراد في التعبير عن آرائهم وهي إحدى مكونات المجتمع المدني وأسسه.
بعد صدور قانون الأحزاب الأردني، تشكل عدد كبير من الأحزاب السياسية فيما عرف بطفرة الأحزاب، وقد انتقد عدد من المحللين والمفكرين ظاهرة كثرة عدد الأحزاب السياسية في المملكة، لأن من شأن ذلك تشتيت قدراتها وطاقاتها، إلا أن أكثر من نصف تلك الأحزاب اختفت وتلاشت بعد فترة من الزمن، واندمج بعض منها مع أحزاب أخرى ولعله من المثير للاهتمام أن النقاش في هذا السياق، كان في أغلبه حول الأحزاب السياسية بذاتها ودور هذه الأحزاب، ولم يدر الكثير من النقاش حول قانون الأحزاب، مما يعني أن العدد الأكبر من قطاعات المجتمع تراه قانوناً ملائماً وجيداً.
ضعف التمثيل أكثر ما يؤخذ على الأحزاب الأردنية هو ضعف التمثيل في الحياة السياسية، ففي انتخابات 1993 وهي أول انتخابات برلمانية تجري في ظل وجود أحزاب سياسية كان تمثيل تلك الأحزاب في مجلس النواب ضعيفاً للغاية، أما الانتخابات التي جرت عام 1997 فقد قاطعتها غالبية الأحزاب السياسية في المملكة، تحت ذريعة أن قانون الانتخابات «الصوت الواحد» وضع في الأساس من أجل اضعاف نفوذ الأحزاب السياسية، إلا أن هذه الأحزاب نفسها، عادت وأعلنت عن نيتها المشاركة في الانتخابات الحالية 2003 في ظل القانون السابق وهو موقف يثير الكثير من التساؤلات حول حقيقة الأسباب الكامنة وراء موقف تلك الأحزاب إبان انتخابات 1997.
أحد الأسباب المحتملة لذلك الموقف هو خشية الأحزاب ألا تحصل إلا على عدد قليل من المقاعد، قد تكون أقل مما حصلت عليه في انتخابات 1993، وبالتالي فإنها ارتأت أن لا تخوض تلك الانتخابات فصاغت حُجَجاً وذرائع متعددة وهناك عدد كبير من المتابعين للشأن الحزبي في المملكة، يتفقون أن الأحزاب ليس لها نفوذ حقيقي وقوي في المجتمع الأردني، بإستثناء حزب جبهة العمل الإسلامي، كما أنها بعيدة إلى حد كبير عن المواطن وهمومه، فأكثر شعاراتها، تنتمي إلى عقدي الخمسينيات والستينيات وهي شعارات في غالبها لا تمس هموم المواطن اليومية، مثل البطالة والفقر، كما تفتقر الاحزاب لبرامج اجتماعية واقتصادية وسياسية وواقعية، فبحسب استطلاعات الرأي العام فإن غالبية المواطنين لا يعرفون ما هي هذه الأحزاب، وما برامجها وأهدافها.
وفي آخر استطلاعات الرأي اكد 1% فقط، أنهم ينتمون إلى أحزاب سياسية.
نقطة أخرى مهمة للغاية، هي أن الكثير منها قد قامت و تأسست على اشخاص لا على أسس فكرية وهناك تشابه في برامجها المعلنة إلى حد التطابق في كثير من النقاط.
عشائرية
الاحزاب متهمة ايضا بانها تحاول أن تستثمر العشائرية من أجل نجاح أعضائها في الانتخابات النيابية، ويتذكر الجميع ذلك السجال الساخن الذي دار بين المهندس عبد الهادي المجالي رئيس مجلس النواب السابق وعدد من الكتاب والصحفيين، عشية انتخابات عام 1997 فالمجالي هو مرشح الحزب الوطني الدستوري وكان أمين عام هذا الحزب، ومن جهة أخرى فقد قامت عشيرته بالإعلان ان المجالي هو مرشح العشيرة لتلك الانتخابات، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الكثيرين، إذ أنه بترشيحه من قبل عشيرته فهو يعزز من العشائرية في المجتمع على حساب الأحزاب السياسية، وأنه حول حزبه السياسي إلى عشيرة أو العكس.
أما المجالي فقد كان له موقف واضح من هذا الشأن فهو يرد على الذين انتقدوه بأن العشيرة كانت ومازالت الركن الأساس في بناء المجتمع الأردني، وأن من يريد تجاهلها فهو يخدع نفسه، ويقول في رده المنشور في جريدة الدستور 2 سبتمبر 1997 أن الأحزاب جاءت للنهوض وتطوير الواقع الاجتماعي بدل إلغائه.
تعريف د. فايز الحوراني حول العشائرية، فهو يقول انها لا تخص أبناء العشائر والقبائل، بل هي وصف سياسي لسلوك كل الأفراد والأحزاب والتنظيمات التي لا ترغب ولا تقبل بمعايير ومفاهيم المجتمع المدني، وتستنهض السلبيات البالية وعلى أساس من التعصب والعنصرية والإقليمية.
بالتالي فهناك تناقض جوهري وجذري بين المجتمع المدني والعشائرية التي تقوم على أساس روابط الدم السؤال المهم هنا، هو أنه إذا كانت العشائرية مازالت موجودة بقوة في المجتمع الأردني، فهل ذلك يعني أنه من المستحيل أن نحصل على مجتمع ديمقراطي؟ واجب الأحزاب كأحد ركائز المجتمع المدني، أن تبدأ بمحاولات لتغيير هذا الواقع، بما يتوافق مع متطلبات الحياة الديمقراطية، والتخفيف من دور العشائرية مقابل دور أكبر للأحزاب.
قد يقول البعض، ان الأحزاب الأردنية مازالت أحزاباً فتية وأنه ليس بمقدورها أن تتصدى للعشائرية المترسخة في ممارسات المجتمع الأردني أعتقد أن في ذلك الكثير من السلبية، فمثلاً المؤسسات النسائية التي استطاعت بعد أكثر من عقد من المطالبة والعمل على وجود كوتا نسائية أن تحصل على جزء مهم من مطالبها، وهي مطالب قد تكون متناقضة مع مفاهيم وقيم المجتمع الأردني الأبوي العشائري، فكيف نجحت إذن في تحقيق هذه المطالب؟
وفي المقابل فإن تطبيق التعريفات والمفاهيم الغربية واسقاطها على المجتمع الأردني والعربي بشكل عام، هو اسقاط فيه الكثير من الخطأ، فهذه المفاهيم عن الديمقراطية والمجتمع المدني قد تطورت في أوروبا على مدى مئات السنين، وكانت نتيجة لكفاح طويل ومرير خاضته فئات وطبقات المجتمعات الأوروبية كما انها نتاج لطبيعة المجتمع الأوروبي وهو ما يختلف عن طبيعة المجتمعات العربية إلى حد كبير فلكل مجتمع خصائصه التي تختلف عن أي مجتمع آخر، والنظام السياسي في أي بلد، يتم تطويره بما يتناسب مع الظروف السياسية والاجتماعية أي أن البنية الاجتماعية في الأردن من عشائر وغيرها، ليست بالضرورة نقيضاً للديمقراطية.
العديد من النقاط الايجابية بدأت تتبلور في طريقة وآلية عمل هذه الأحزاب بعد عقد على انشائها ففي البداية كان هناك تخبط وعدم وضوح، إلا أنه وبعد فترة من الزمن بدأت العديد من الأمور السلبية تتلاشى وتخف وطأتها، فقد اندمج عدد كبير من الأحزاب مع بعضها وتم إنشاء أكثر من هيئة للتنسيق وهو ما أدى إلى ارتقاء فعالية وتأثير الأحزاب في العمل السياسي وبدأت هذه الأحزاب تبلور مواقف أكثر وضوحاً من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
ومن الانصاف القول، ان الأحزاب السياسية ليست هي المسئول الوحيد عن ضعف دورها في الحياة السياسية، فبحسب استطلاعات الرأي العام، ذكر الكثير من المواطنين، أن عدم انضمامهم إلى الأحزاب السياسية يرجع إلى الخوف من السلطة انهم لم يقتنعوا بعد بالتغيير الحاصل في التوجه نحو الديمقراطية، وقد يكون لذلك أسباب مقنعة ومنطقية تتعلق بطريقة تعامل الحكومة مع المواطنين في بعض الظروف والمناسبات، لكنها استثناءات لا تلغي القاعدة.
حرية الصحافة
يتمتع الإعلام بالحرية أو عدمه، هو من أهم مقاييس نجاح الديمقراطية ففي الدستور الأردني ضمانات تكفل حرية الصحافة حسب المادة 15 -1 التي تنص على «تكفل الدولة حرية الرأي، ولكل أردني أن يعرب بحرية رأيه بالقول والكتابة والتصوير ووسائل التعبير بشرط أن لا يتجاوز حدود القانون»، وكذلك فهناك ضمانات واضحة لحرية التعبير وحرية الإعلام في الميثاق الوطني الأردني.
ومن أهم إنجازات التحول الديمقراطي في المملكة إصدار قانون المطبوعات والنشر رقم 10 لسنة 1993 حين سمح هذا القانون بإنشاء عدد كبير من الصحف الأسبوعية الخاصة، تحت شروط وقيود مخففة، وقد باشرت تلك الصحف أداء مهامها بإعتبارها أحد ركائز المجتمع المدني الأردني.
لقد تجاوزت هذه الصحف والمجلات العديد من القضايا التي كانت تعتبر قبل فترة وجيزة من المحرمات ووجهت نقدا جادا للحكومة وبعض رموزها وتم نشر العديد من التحقيقات الصحفية حول الفساد والخلل الإداري ولعل قيام العدد الأكبر من هذه الصحف باتخاذ موقف معادٍ من السلام مع إسرائيل والتطبيع معها، بخلاف الموقف الرسمي للحكومة هو ما فتح الباب على مصراعيه للخوض في عدد كبير من القضايا والأمور بالغة الحساسية مثل العشائرية والإقليمية وقضايا الدين وغيرها من الأمور، إلا أن مسيرة الحرية الإعلامية في المملكة لم تكن مفروشة بالورود، فقد قامت الحكومة، ومازالت، بعدة محاولات للتقليل من دور هذه الصحف المعارضة لها، سواء عن طريق إغلاق بعض الصحف أو رفع شكاوى قضائية ضد بعض الصحافيين وحبسهم في بعض الحالات، إلا أنه وفي المحصلة فقد قامت بعض الصحف الأسبوعية على وجه الخصوص ، بنقلة نوعية ليس على مستوى علاقة الإعلام بالدولة فقط، بل علاقة المجتمع المدني بالدولة رغم الشطط والمبالغات وما قيل من اختراقات لدول مجاورة في مقالات وتحقيقات بعض «الأسبوعيات».
كان قانون المطبوعات والنشر لعام 1993، إيجابياً في عدد كبير من النقاط، مثل عدم السماح للحكومة بامتلاك الصحف، وهو ما تم التراجع عنه بعد حين في قانون المطبوعات والنشر لسنة 1997
حيث ان الحكومة مازالت تملك الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء الأردنية «بترا»، وتملك عن طريق مؤسسة الضمان الإجتماعي حصصاً كبيرة في الصحيفتين اليوميتين الرئيسيتين، «الرأي والدستور»، فالمؤسسات الإعلامية، من بين المؤسسات والشركات القليلة التي لم تَطلْها عملية الخصخصة بعد، ولا وجود لخطط على الأمد القريب للقيام بهذه الخطوات.
يتفق العديد من الإعلاميين والمحللين، أن قانون المطبوعات والنشر (والذي يتجه المجلس الأعلى للإعلام لتغييره)، يعتبر تراجعاً من قبل الحكومة عن لما حمله من معيقات فقد قام برفع رأس المال المطلوب من الصحف اليومية والأسبوعية، وهو ما أدى إلى إغلاق كثير من الصحف الأسبوعية بسبب عدم تمكنها من توفير المبلغ المطلوب، ويعطي ذلك القانون الحكومة صلاحيات واسعة، لإغلاق الصحف تحت ذرائع ومسوغات مختلفة، ووضع ضوابط على الصحفيين، لم تكن موجودة في القانون السابق.
ووفق تقرير الشراكة الأوروبية-المتوسطية لحقوق الإنسان، فانه يعطي الحكومة صلاحية إغلاق الصحف، ويمثل عودة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، إن الإعتصامات التي قام بها الإعلاميون الأردنيون وغيرها من أشكال الإحتجاج على القانون، دليل على تخوف الوسط الإعلامي منه وما يمثله تطبيقه من تضييق على الإعلام الأردني الحر.
الإشكالية الرئيسية في القانون، أن كثيراً من بنوده جاءت فضفاضة بحيث تقبل التأويل والتفسير بأكثر من شكل على سبيل المثال.
منع القانون نشر موضوعات أو تحقيقات تضر بالوحدة الوطنية، فما معنى هذا؟ وما المقصود هنا بالوحدة الوطنية؟ فمن الممكن تفسير عدد هائل من المقالات المنشورة في الصحف الأردنية على أنها تمسّ بالوحدة الوطنية، ومن الممكن، أن لا تعتبر كذلك في الوقت نفسه أي أن مصطلح «الوحدة الوطنية» هو مصطلح عام إلى حد كبير ولا يوجد له تفسير واضح ومحدد، والأمر نفسه ينطبق على البند الذي جاء فيه «منع الصحف من نشر أية مادة تسييء إلى رؤساء الدول العربية والصديقة»، فما هي الدول الصديقة؟ هل إسرائيل التي توجد إتفاقية سلام بينها بين المملكة تعتبر دولة صديقة، مع العلم أن الحكومة غضت النظر عن إساءات واضحة لبعض الرؤساء العرب في الصحف الأردنية في مرحلة من المراحل، النقطة الرئيسية أن الحكومة كانت تستخدم بنود القانون الفضفاضة، متى تريد ومن الإنصاف القول أن القانون لم يعد في واقع الحال مطبقاً ومن الانصاف القول، أن الأردن خطا خطوات هامة للغاية في مجال حرية الصحافة والإعلام، إلا أن هذه المسيرة مازال أمامها الكثير من المهام والمصاعب لكي تصل إلى المستوى والدور المطلوب.