الاحتلال المشروع والمقاومة المدانة !

 ـ بقلم: د. صابر فلحوط
عن البيان

قرار مجلس الأمن الأخير، حول رفع الحصار عن العراق، قد يضع المحللون له العناوين البراقة، ويدبج أصحاب النوايا الطيبة فيه المدائح الطويلة، ويغرف له اللغويون الأسماء ـ الحسنى ـ من قاموس السياسة المموهة باتقان، غير ان له اسما واحدا يدل عليه، ويشير إليه في الصحو، ويوم تهب العواصف انه ـ شرعنة ـ الاحتلال والاعتراف ـ الدولي ـ بمباركة ما فعلته قوات الغزو الأميركي البريطاني في أرض الرافدين.

كما يؤكد هذا القرار الذي ظاهره رحمة للعراق، وجوهره نقمة ومذلة واذعان للبشر والحجر والتراث والتاريخ في بلاد الحضارات الأعمق والأعرق في عمر البشرية، أضمومة من الحقائق المدهشة والمحزنة في آن:

ـ قدرة السطوة، والسلطة العسكرية على قهر الآخر، واخضاعه بعد جموح وعصيان وفرض السيطرة والقبول بمشيئته.

ـ تراجع ـ الكبار ـ عن شعارات أطلقوها ومواقف أعلنوها، ضد الغزو والعدوان على العراق واعتباره، خارج القانون الدولي واحتلالا ترفضه الأعراف والشرائع ولا سيما في مطلع القرن الذي نعيشه.

ـ إن الارتجاج الذي أصاب الدماغ الكوني إثر سقوط ـ الاتحاد السوفييتي بالضربة الاقتصادية والسياسية القاضية ـ هيأ الظروف للقطب الأميركي الأوحد، أن يفرض وحدانية سياسته، وسطوته على العالم دونما اعتراض مؤثر، حيث بدأ بأفغانستان، وثنى بالعراق والقائمة في أدراج الرأسمال المعولم، وتجار السلاح والنفط معا.

ـ أكد القرار الأخير بشأن العدوان، أن منظمة الأمم المتحدة، ممثلة بمجلس أمنها قد حملت أكفانها إلى قبرها قبل موعد أجلها، بعد أن أصبحت كالمنوم مغناطيسيا تفعل ما يريد سيد البيت الأبيض وأركان إدارته من الصقور والحمائم على حد سواء.

ـ إن الجماهير التي تلاطمت أمواجها في شوارع العالم قبيل العدوان على العراق، وفي أسابيعه الأولى، قد أكدت عدم صلاحية هذه البضاعة ـ الشعبية للسوق العالمي الراهن، وأن ما يسمى بنبض الجماهير واحساسها المرهف والسليم، وموقفها الصادق إلى جانب الحق، والحقيقة كل ذلك ليس له حساب في مهرجان الدم الذي تحييه الطائرة والصاروخ، والقنبلة ومختلف وسائل الهيمنة الطاغية التي يمتلكها، ويستخدمها القطب العالمي الأوحد في هذا العصر!

إن القرار الأخير لمجلس الأمن الذي بارك فوز ـ البطل ـ في لعبة الدم في أرض الرافدين يشكل التهديد الأخطر، والأكبر للشعوب الطامحة لجعل هذا القرن، قرن سلام وعدل ومساواة وكرامة فإذا به يعود بالبشرية إلى عصر الغاب.

إن الأمم المتحدة الممثلة لحقوق الإنسانية في حرية الشعوب، وتعزيز مصيرها، ودعمها للدفاع عن نفسها، ومقاومة العدوان عليها والاحتلال لأرضها، هذه المنظمة أمام سطوة القوة، وهيمنتها الطاغية أصبحت ترتجف عند سماع الحديث عن المقاومة الوطنية للاحتلال، وتخضع للاعلام الامبريالي العنصري الصهيوني، الذي يصور المقاومة الوطنية في فلسطين ممثلة بالانتفاضة الباسلة على انها ارهاب يستحق الاعدام شنقا حتى الموت!

كما انها ومن خلال مباركة الحالة الأميركية في العراق قد أخرجت نفسها من تاريخ الشعوب لتنضم إلى أحد العناوين الأميركية المدججة بكل وسائل الموت والدمار للآخر الذي حمل رأيا معاندا، وموقفا مخالفا، وعقيدة تستهدف تعزيز حقوقه الوطنية والقومية.

إن هذه المسرحية الدامية، التي مثلت على خشبة مجلس الأمن ـ حول الشعب العراقي لترسيخ احتلاله وتنمية مآسيه وكوارثه، لابد أن تدفع الأمة العربية في الذروة، والسفح معا، إلى مراجعة جادة، واجراء جراحة جريئة في الجسد القومي بهدف الوصول الى حقيقة ان قيامة الأمة لم تقم بعد، وان طريق الخلاص، مازال في أيدي مناضليها، وان جسر عبورها هو وحدة الرأي، والرؤية والقرار، من أجل انقاذ حاضرنا المتردي والوصول إلى مستقبلنا القومي النهضوي المنشود.

ـ نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب