|
فضيحة الـ نيويورك تايمز:
هل تقول شيئا لصحافتنا العربية؟
د• خالد الدخيل
عن الاتحاد
في يوم الخميس الماضي وصلت الفضيحة التي هزت غرفة التحرير في صحيفة الـ نيويورك
تايمز إلى ذروتها، وربما نهايتها• ففي ذلك اليوم اضطر مدير التحرير التنفيذي
هاول رينز (60 سنة)، وسكرتير التحرير جيرالد بويد (52 سنة) إلى الاستقالة من
منصبيهما تحت ضغط تطورات الفضيحة التحريرية التي اكتشفت قبل ذلك بأسابيع قليلة•
لم يحدث أن استقال مسؤولون تحريريون بهذه الأهمية، ولهذا السبب في تاريخ
الصحيفة الذي يمتد لأكثر من 150 سنة• لكن الفضيحة التي كانا من ضمن ضحاياها
كانت بدورها أكبر فضيحة في تاريخ الصحافة الأميركية، حسب ما قالته الـ غارديان
البريطانية•
ربما تساءل البعض إن كان هذا موضوع ذا علاقة ويستحق الكتابة عنه، وخاصة أنه
بعيد كل البعد عما يشغل المنطقة من أحداث واهتمامات، ويتعلق بصحيفة أميركية
بعيدة عنا وعن اهتماماتنا الملحة في الوقت الحاضر• والحقيقة أن هذا السؤال غير
ذي معنى إذا ما تذكرنا أن الصحافة -والإعلام بشكل عام- ليست مؤسسة ثقافية
تتعاطى مع السياسة عن بعد، أو أن طبيعتها ودورها لا يتضمن أبعادا سياسية• على
العكس الصحافة جزء من العملية السياسية• وبالتالي فإن ما تطالب الصحافة به
السياسيين، والمؤسسات السياسية من حرية، ومسؤولية، وإلتزام بالقانون مطالبة هي
أولا بالالتزام به قبل غيرها، وإلا فإن مطالباتها في هذا الصدد تصبح ليست أكثر
من شعارات وخطابات فارغة لا معنى لها• وكم كانت افتتاحية الـ نيويورك تايمز
ليوم الجمعة الماضي، صائبة عندما أشارت إلى أنه كانت هناك مناسبات طالب فيها
مسؤولو التحرير في الصحيفة من خلال صفحة الافتتاحيات والرأي باستقالة بعض
المسؤولين سواء في القطاع العام أوالخاص• ما قالته الافتتاحية هنا صائب بشكل
خاص لأن مدير التحرير التنفيذي المستقيل، هاول رينز، كان قبل ذلك مسؤول التحرير
عن صفحة الافتتاحيات والرأي •
من ناحية ثانية إذا جاز لنا أن نقارب تجربتنا السياسية في هذه المنطقة من زوايا
عدة، أحدها وأهمها المقارنة مع التجربة السياسية للغرب عموما، والأميركية خصوصا
في الظروف الحالية، فإن جزءا من هذه المقاربة لابد أن يشمل التجربة الإعلامية،
والصحافية على وجه الخصوص• الاثنتان، السياسة والصحافة تعكس إحداهما الأخرى
وفقا للإطار الثقافي الذي تنتميان إليه• إذا كان القاموس السياسي العربي لا
يعرف مصطلح الاستقالة سبيلا إليه كتعبير عن الشعور بثقل المسؤولية وتحملها مهما
كانت الأسباب، فإن الشيء نفسه ينطبق على الصحافة إلى حد كبير•
لنعُد إلى موضوعنا ونسأل ما هي الفضيحة التي أسقطت أكبر مسؤولين تحريريين في
إحدى أكبر الصحف تأثيرا في الولايات المتحدة• حسب الصحيفة ذاتها تتعلق هذه
الفضيحة بما قام به أحد مندوبيها المحليين، جايسون بلير، من سرقات، وخداع،
وتحايل، وما ارتكبه من أخطاء في مصادره ومعلوماته، وذلك في 36 من تحقيقاته التي
كتبها للصحيفة منذ شهر أكتوبر من العام الماضي• وكل تلك التحقيقات كانت عن
موضوع القناص الذي أرعب واشنطن العاصمة خلال تلك الفترة• بعدما تم اكتشاف
الفضيحة قامت صحيفة الـ نيويورك تايمز بالتحقيق في الموضوع•
المهم هنا هو أن الصحيفة، أخيرا واجهت الفضيحة بشكل مباشر، وتعاملت معها بطريقة
فرضت أن يكون هناك مسؤول عما حدث، وأن يتحمل هو مسؤولية وثمن ذلك• لم يكن هناك
مناص من هذه الخاتمة لأكثر من سبب• كان لابد من أن تكون الصحيفة هي التي تتولى
الكشف عن الفضيحة• وإلا ستأتي صحيفة منافسة وتقوم بعملية الكشف هذه، ومن دون
رحمة• ولو حدث هذا لشكل ضربة مهنية قاتلة لصحيفة تفتخر بأن شعارها هو كل
الأخبار التي تستحق النشر • استقالة مدير التحرير التنفيذي كانت الثمن الذي
لابد منه لتتمكن الصحيفة من الاحتفاظ بمصداقيتها، وخاصة أن مدير التحرير هو
الذي اختار أن يعطي المندوب جايسون الفرصة الثمينة لتغطية الحدث موضوع الفضيحة،
وذلك على حساب غيره من المندوبين القدامى في الصحيفة• وكان لابد من استقالة
سكرتير التحرير، بويد، أيضا لأن مدير التحرير هو الذي اختاره لهذا المنصب،
ولأنه كان المشرف المباشر على عمل جايسون• ثالثا لا يستقيم لصحيفة كثيرا ما
تخصص افتتاحياتها لوعظ الحكومة أحيانا، ولمطالبتها بتحمل مسؤولياتها القانونية
والأخلاقية داخليا وخارجيا، أو لاستقالة هذا المسؤول أو ذاك بسبب فشله في تحمل
مثل هذه المسؤليات، ثم تتقاعس هي نفسها عن أن تفعل الشيء نفسه في ظروف مماثلة•
ما حدث في الـ نيويورك تايمز تحول إلى خبر عالمي تصدر في أغلب الصحف العالمية،
ما عدا الصحافة العربية• ترى هل يمكن أن يحصل شيء مماثل في صحافتنا العربية؟
على حد علمي لم يحدث شيء من ذلك حتى الآن• بل إن رؤساء التحرير في العالم
العربي مسؤولون أمام حكوماتهم قبل أن يكونوا مسؤولين أمام صحفهم وقرائهم• وذلك
لسبب بسيط، وهو أن قرارات تعيينهم لا تأتي من داخل الصحيفة، وإنما من قبل وزراء
الإعلام• من هنا ربما حصل ويحصل أن هذه الصحافة تمارس عملية وعظ لحكوماتها ليل
نهار، لكنها عندما تفعل ذلك لا تفعله بشكل مباشر وبالاسم، بل تفعله كنوع من
ممارسة الترف الثقافي• والترف لا تترتب عليه مسؤولية، بل شيء من التشخيص، وشيء
من تحقيق الذات• والصحافة في هذه الحالة لا تعكس أكثر من الثقافة السياسية التي
تنتمي إليها• في هذه الثقافة ليس هناك مجال لكشف فضائح، وبالتالي لا ينتظر أن
تكون هناك فضائح في الصحافة العربية أيضا• وكما تكونوا يولى عليكم•
|